وهبة الزحيلي
122
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَفَرَضْناها الفرض : التقدير ، أو قطع الشيء الصلب ، والمراد هنا الإيجاب أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا . وقرئ وَفَرَضْناها بالتشديد لكثرة المفروض فيها آياتٍ جمع آية ، وهي العلامة ، والمراد هنا جملة من القرآن الكريم متصلة الكلام تحقق غرضا معينا . بَيِّناتٍ واضحات الدلالة على ما فيها من الأحكام . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي تتذكرون وتتعظون وتتقون المحارم ، ولعل هنا يراد بها الإعداد والتهيئة . التفسير والبيان : هذه السورة أوحيناها وأعطيناها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وفرضنا ما فيها من أحكام كأحكام الزنى والقذف واللعان والحلف على ترك الخير والاستئذان ، وغض البصر ، وإبداء الزينة للمحارم وغيرهم ، وإنكاح الأيامى ، واستعفاف من لم يجد نكاحا ، ومكاتبة الأرقاء ، وإكراه الفتيات على البغاء ، وطاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، والسلام على المؤمنين . وأنزلنا فيها دلائل واضحة ، وعلامات بينة على توحيد اللّه وكمال قدرته ، لتتذكروها ، فتعتقدوا وحدانيته وقدرته تعالى . وتكرار وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لكمال العناية بشأنها ، كما هي الحال في ذكر الخاص بعد العام . فقه الحياة أو الأحكام : إن سورة النور متضمنة آيات بينات ترشد إلى النظام الأقوم والسلوك الأمثل في الأسرة والمجتمع ، يقصد بها تحقيق العفاف والصون وحماية العرض ، واتقاء المحرّمات ، وتوفير السكينة والطمأنينة القلبية البعيدة عن الشواغل والهواجس الشيطانية الداعية إلى المعصية والرذيلة . كما أن في هذه الأحكام تذكيرا وعظة للمؤمنين ، وتربية للنفوس ، وتحقيقا للتقوى التي يستشعر بها المؤمن التقي جلال اللّه وعظمته ، وعلمه وقدرته ،